الحلبي
58
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
ويروى أن عليا كرّم اللّه وجهه لما فتح الحصن أخذ الرجل الذي قتل أخا محمد بن مسلمة وسلمة إليه فقتله ، وتقدّم أن محمد بن مسلمة رضي اللّه عنه قتل مرحبا لكونه قاتل أخيه على ما تقدم ، وسيأتي أنه صلى اللّه عليه وسلم دفع كنانة لمحمد بن مسلمة ليقتله بأخيه ، وهذا يؤيد ما تقدّم من أن الثلاثة : أي مرحب وكنانة وذلك الرجل الذي سلمه عليّ له اشتركوا في قتل أخي محمد بن مسلمة . قال : وأصاب المسلمين رضي اللّه عنهم مجاعة وأرسلت أسلم إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أسماء بن حارثة ، وأمرته أن يقول له صلى اللّه عليه وسلم : إن أسلم يقرءونك السلام ويقولون أجهدنا الجوع ، فلامهم رجل وقال : من بين العرب تصنعون هذا ؟ فقال زيد بن حارثة أخو أسماء : واللّه إني لأرجو أن يكون البعث إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مفتاح الخير ، فجاءه صلى اللّه عليه وسلم أسماء وبلغه ما قالت أسلم ، فدعا لهم فقال : اللهم إنك قد عرفت حالهم ، وأن ليس بهم قوة ، وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه ، وقال : اللهم افتح أكثر الحصون طعاما وودكا ، ودفع اللواء للحباب بن المنذر رضي اللّه تعالى عنه وندب الناس ، وكان من سلم من يهود حصن ناعم انتقل إلى حصن الصعب من حصون النطاة ، ففتح اللّه حصن الصعب قبل ما غابت الشمس من ذلك اليوم بعد أن أقاموا على محاصرته يومين ، وما بخيبر حصن أكثر طعاما منه : أي من شعير وتمر وودك ، أي من سمن وزيت وشحم وماشية ، ومتاعا منه ، ولا يخالف هذا ما تقدم عائشة في وصف حصن ناعم من قولها : ما شبع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى آخره ولا ما تقدّم من أنهم أدخلوا أموالهم حصون الكتيبة ، لأنه يجوز أن يكون المراد بأموالهم النقود ونحوها دون ما ذكر هنا ، وكان في هذا الحصن الذي هو الحصن الصعب خمسمائة مقاتل ، وقبل فتحه خرج منه رجل يقال له يوشع مبارزا ، فخرج له الحباب بن المنذر رضي اللّه تعالى عنه فقتله ، وخرج آخر مبارزا يقال له الديال فبرز له عمارة بن عقبة الغفاري رضي اللّه تعالى عنه فضربه على هامته فقتله ، وقال له : خذها وأنا الغلام الغفاري ، فقال الناس حبط جهاده ، فقال صلى اللّه عليه وسلم لما بلغه ذلك : يؤجر ويحمد ، أي وحملت يهود حملة منكرة . فانكشف المسلمون حتى انتهوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو واقف قد نزل عن فرسه ، فثبت الحباب بن المنذر رضي اللّه تعالى عنه ، فحرض صلى اللّه عليه وسلم المسلمين على الجهاد ، فأقبلوا وزحف بهم الحباب رضي اللّه تعالى عنه فانهزمت يهود وأغلقت الحصون عليهم . ثم إن المسلمين اقتحموا الحصن يقتلون ويأسرون ، فوجدوا في ذلك الحصن من الشعير والتمر والسمن والعسل والسكر والزيت والودك شيئا كثيرا ، ونادى منادي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : كلوا واعلفوا ولا تحملوا : أي لا تخرجوا به إلى بلادكم . . وهذا دليل لما ذهب إليه إمامنا رضي اللّه تعالى عنه من أن للغانمين أخذ ما تعمّ الحاجة إليه من الطعام وما يؤكل غالبا من الفواكه وعلف الدواب من الغنيمة بدار